باسم الآب و الابن و الروح القدس

أخوتنا الأحباء نرحب بكم بخدمة ينبوع الحياة
اذا كنت عضو أو عضوة يمكنك تسجيل الدخول إن كنت مسجل لدينا
عن طريق الضغط دخول .
و إن كنت لم تسجل لدينا بعد أضغط تسجيل و سجل معنا سنكون سعيدين بك
يباركك الله
Smile

    الثالوث الأقدس

    شاطر
    avatar
    Edara
    الإدارة
    الإدارة

    عدد المساهمات : 206
    تاريخ التسجيل : 07/10/2009

    الثالوث الأقدس

    مُساهمة من طرف Edara في الجمعة أكتوبر 30, 2009 1:32 am


    ”الثالوث الأقدس يُظهر الإله الواحد الحيّ القيوم في عظمته وسلطانه من خلال أقانيمه الثلاثة المتحدة في جوهر واحد وهو يصوّر لنا الصفات الذاتية في الإله الواحد غير المحدود بالزمان والمكان كما هي معلنة في الكتاب المقدس بمجمل وحيه وإلهامه.

    فأقنوم الآب يمثل قوة الوجود في جوهر الله الواحد

    وأقنوم الابن يمثل القوة العاقلة في جوهر الإله الواحد.

    وأقنوم الروح القدس يمثل قوة الحياة في جوهر الإله الواحد.

    فلا يمكن أن نتصور الله على أنه فكرة أو مجرد معنى بل هو كائن أزلي أبدي وهو أصل الوجود ومنشئ الكون في كيان كامل القدرة، والعظمة، والجلال، والحكمة؛ متَّصف بالحب، والرحمة، والعدالة، والحق.

    إنه في عظمته وسموّه فوق مدارك مخلوقاته إلا حسبما شاء هو في جلال مقامه أن يعلن عن ذاته بالروح القدس بواسطة الابن الحال في الجسد وبأفواه أنبيائه ورسله القديسين.

    وهو أيضاً كما أعلن عن نفسه الإله غير المنظور المجرد عن الزمان والمكان والشبه والأبعاد. فحين طلب موسى النبي أن يراه أجابه: ”
    وَقَالَ: لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَرَى وَجْهِي، لأَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَرَانِي وَيَعِيشُ“ (خروج 20:33).

    وهذا ما أكده المسيح له المجد في حديثه مع السامرية “اَللهُ رُوحٌ. وَالَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ فَبِالرُّوحِ وَالْحَقِّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا” (يوحنا 24:4). وهذا الفكر راسخ في جميع أسفار الكتاب المقدس في العهدين القديم والجديد ولا يوجد من يناقضه من جميع الأنبياء، والقديسين، والرسل الذين أثبتوا ذلك بالروح القدس. الله أو الآب هو أصل وسبب الوجود وهو مالئ الوجود وليس لعظمته استقصاء
    .

    حين أبدع الله الكون قال لكلّ شيء كن فكان. إذن فكلمة الله الخالقة صدرت عن قوة الله العاقلة، بل هي تعبير عن القوة العاقلة في الذات الإلهية، وهي غير منفصلة عن شخصه بالدرجة الأولى، وغير مخلوقة بل هي ”جزء منه
    “ - إن صح التعبير - لأن الله يجل عن التجزئة، وهي أزلية فيه لأن فكره أو عقله الواعي موجود في ذاته منذ الأزل!! ويخبرنا الكتاب المقدس أن حكمة الله أو القوة العاقلة في الذات الإلهية أبدعت كل شيء.. (أمثال 22:8-31). وهذا ما يعبر عنه الكتاب المقدس بأقنوم الابن. فيسوع هو كلمة الله أو المعبر عن فكره الأزلي والمُظهر له. ”فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ. هذَا كَانَ فِي الْبَدْءِ عِنْدَ اللهِ. كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ. فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ، وَالنُّورُ يُضِيءُ فِي الظُّلْمَةِ، وَالظُّلْمَةُ لَمْ تُدْرِكْهُ“ (يوحنا 1:1-5).

    نلاحظ هنا أن الوحي لا يتكلم عن كلمة منطوقة لأنه تكلم عن “الكلمة” وتعني باللغة الأصلية لوغس
    Logos، وهي دلالة على أقنومية “الكلمة”. وفي عبارة ”وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ“ يشير إلى ظهور الأقنوم الثاني للبشر. ولنتقدم قليلاً ”وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا“ (يوحنا 14:1)، وهي تطبيق لإعلان الوحي الإلهي في نبوة إشعياء النبي ”هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ” (إشعياء 14:7). ومعلوم أن عبارة عمانوئيل هي كلمة عبرية تعني “الله معنا أو في وسطنا”. ويخبرنا الكتاب المقدس في كثير من أسفاره عن ظهور الله ”أقنوم الكلمة“ لكثيرين والتحدث معهم في أمور تختص بملكوت الله وتدبيرات عمل النعمة الإلهية. فبينما نحن نعلم أن أقنوم الآب لم يتراءَ للبشر فإن أقنوم الابن أو الكلمة هو الذي تراءى للبشر. ظهر لإبراهيم أبي المؤمنين (تكوين 18)، ومكث معه فترة وتناقش معه بخصوص إجراء دينونة موضعية لأرض سدوم وعمورة. وظهر لمنوح أبي شمشون ولامرأته وبشرهما بولادة نذير وأوصاهما بأمور تخصّه، ولم يفصح لهما عن شخصه ولكنه قال: ”لماذا تسأل عن اسمي وهو عجيب؟“، ثم صعد في لهيب المذبح إلى السماء! وغير تلك الحوادث كثير.. ولكنه ظهر بشكل أكثر وضوحاً وجلاء حينما تجسد من العذراء المباركة وعاش في هيئة الإنسان ”يسوع المسيح“ مظهراً حب الله ورحمته ونعمته للبشر، ثم قدّم الجسد الذي اتخذه كفارة عن خطاياهم مكملاً عدالة الله في ذاته، ودُفن حسب النبوات، وقام في اليوم الثالث بقوة روحه، وظهر في الجسد الممجد الذي قام به لكثيرين قبل صعوده ثانية إلى مجده الأعلى. ومعظم أهل الأرض ينتظرون يوم مجيئه لدينونة العالم ومكافأة المؤمنين بالفداء، ومعاقبة الرافضين لخطة الله التي أتمّها ”الله الظاهر في الجسد“.

    ولا يمكننا تصوّر الله بمجد جلاله وعظمة وجوده كذات عليا وفي قدرته على الخلق والإبداع بقوته العاقلة فحسب، لأن فيه بدون شك قوة حياة ذاتية في أصل ووجود ذاته العظيمة هي ما يسمى بأقنوم ”الروح القدس“ وقد ظهر في بدء الخليقة كما هو مدوّن في صدر الأصحاح الأول من سفر التكوين ”وَكَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً، وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ، وَرُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ“ (تكوين 2:1
    ).

    ذلك الروح هو الذي نطق بالأنبياء، وتكلم في القديسين، وهو الذي يرشد، ويعين، ويعزّي، ويبكّت على الخطأ، ويشفع بصلوات وتضرعات المؤمنين؛ وهو الذي يشهد لأقنوم الآب، ولأقنوم الابن بكل سلطانه وعظمة لاهوته، وهو الذي يقاوم قوة الشرير في العالم بما تقتضيه عدالته المطلقة وكماله غير المحدود.

    وهذه الأقانيم الثلاثة هي في وحدة كاملة لا انفصال ولا تفرّد فيها إذ أن الله الواحد هو القادر الموجود العاقل الحي القدوس.

    وإن كان البعض لا يستطيعون فهم طبيعة الله مدّعين الوحدانية المجردة، فإنه لا يمكن لأحد عاقل أن يتصوّر وحدانية مجرّدة إلا للمادة الجامدة كالحجر مثلاً ولو ظاهرياً فقط، إذا لم نتطرف إلى عناصر تكوينه وذراته، فلا توجد في كل الكون وحدة مجرّدة لأي من مخلوقات الله، ناهيك عن الكيان الاسمى في عظمته وكماله!!

    والأمثلة موجودة في كل مكان. فالشمس مثلاً هي كما نعلم عبارة عن كرة ملتهبة وبعيدة عنا، ولكننا ندركها من دفئها ونورها وقوة الحيوية التي فيها والتي تبعثها إلى أرضنا. فهي إن اقتربت إلينا بذاتها أحرقت المسكونة وما فيها، ولكننا ندركها من دفئها ونورها اللذين يصلان إلينا. هكذا أدركنا حب الله ونوره في شخص المسيح الذي جاء وديعاً لطيفاً وفادياً. وندرك بالعلم قوة الحياة التي تعطيها الكائنات فتجعلها تنمو وتحيا كفاعلية عمل الروح القدس غير المنظور. ونحن لا نستطيع أن نفهم بشكل كامل كيفية اندماج عناصر الشمس من حرارة ونور وحيوية فيما بينها، ولا كيفية تولّد بعضها من بعض، فهل نقدر أن نفهم طبيعة الله الذي كوّنها؟ والإنسان كذلك هو أبسط وأقرب مثال للوحدانية الجامعة فهو ليس جسداً فحسب، ولا إدراكاً وأحاسيس فقط، وليس روحاً حية مجردة، ولكنه يضم هذه الثلاثة معاً. ونحن لا نقول عن السقط الذي يُطرح ميتاً بأنه إنسان، فهو لا يُسجّل في سجلّ المواليد لأنه مجرد جثة، لا إدراك فيها ولا حياة، وإن كنا لم ندرك حتى الآن
    - رغم تقدم الفكر البشري - علاقة هذه العناصر الثلاثة فيما بينها بشكل كامل، فإن اتحادها في الشخص الواحد واضح، فكيف لنا أن ننكر وحدانية الله الجامعة؟ كما أن كلمة الله تشرح لنا أن الله قد خلق الإنسان على صورته ومثاله وليس معنى ذلك الصورة الظاهرية المادية لأن الله جلّ وسما عن المادة والظهور. وقد أعلنت لنا كتب الوحي الإلهي عن وجود هذه الأقانيم الثلاثة المكونة لشخصية الله جل جلاله بما سمحت به لنا مشيئته أن نعلم وندرك، لأن البحث في كنه الله أمر يفوق إدراك البشر، وتعجز عقولهم عن فهمه كاملاً ولكن وحدة الثالوث الأقدس في كيان الواحد القدير سرّ عظيم، والوحي قد أجاب عن تساؤلات النفس البشرية وأشبع جوعها إلى استجلاء بعض غوامض الكيان الأسمى للخالق العظيم بواسطة الكتاب المقدس.

    والخلاصة، فإن الوحدانية الجامعة في الثالوث الأقدس: الآب والابن والروح القدس تمثل تقدماً في الفكر الروحي يرتفع ويسمو كثيراً عن فكرة الوحدانية المجردة التي تصور الله "كواحد جبار قدير بدون وعي ولا حياة"، كالإنسان الآلي، وحاشا لله أن يكون كذلك. وربما هذا راجع للشعور بالمهابة والخوف من الاقتراب إلى كل ما يمت بصلة إلى الله لاعتباره بعيداً جداً عن خليقته التي كوّنها وتركها تتيه في قفر ليس له قرار! ولكن الذين فتح الله عيون أذهانهم أدركوا بالروح القدس تلك الحقائق الرائعة كما يقول الرسول بولس: "لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ. كَمَا قَالَ بَعْضُ شُعَرَائِكُمْ أَيْضًا: لأَنَّنَا أَيْضًا ذُرِّيَّتُهُ (أعمال 27:17
    -18)". فهؤلاء عرفوا الله عن قرب وأدركوا سمو مقاصده وقد كشف لهم سرّه العظيم "سر الثالوث الأقدس" في الله الواحد الضابط الكل.


    القس جوزيف عبدو

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد نوفمبر 19, 2017 5:24 am